محمد بن جرير الطبري
15
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يعني يقولون : عليها غشاوة وأغطية عما تدعونا إليه ، فلا نفقه ما تقول ، ولا نعقله . وقد بينا معنى الغلف ، وذكرنا ما في ذلك من الرواية فيما مضى قبل . بل طبع الله عليها بكفرهم يقول جل ثناؤه : كذبوا في قولهم قلوبنا غلف ، ما هي بغلف ولا عليها أغطية ولكن الله جل ثناؤه جعل عليها طابعا بكفرهم بالله . وقد بينا صفة الطبع على القلب فيما مضى بما أغنى عن إعادته . فلا يؤمنون إلا قليلا يقول : فلا يؤمن هؤلاء الذين وصف الله صفتهم لطبعه على قلوبهم ، فيصدقوا بالله ورسله وما جاءتهم به من عند الله إلا إيمانا قليلا ، يعني : تصديقا قليلا . وإنما صار قليلا لأنهم لم يصدقوا على ما أمرهم الله به ، ولكن صدقوا ببعض الأنبياء وببعض الكتب وكذبوا ببعض ، فكان تصديقهم بما صدقوا به قليلا ، لأنهم وإن صدقوا به من وجه ، فهم به مكذبون من وجه آخر . وذلك من وجه تكذيبهم من كذبوا به من الأنبياء وما جاءوا به من كتب الله ورسل الله يصدق بعضهم بعضا ، وبذلك أمر كل نبي أمته ، وكذلك كتب الله يصدق بعضها بعضا ويحقق بعض بعضا ، فالمكذب ببعضها مكذب بجميعها من جهة جحوده ما صدقه الكتاب الذي يقر بصحته ، فلذلك صار إيمانهم بما آمنوا من ذلك قليلا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : فبما نقضهم ميثاقهم يقول : فبنقضهم ميثاقهم لعناهم وقولهم قلوبنا غلف : أي لا نفقه ، بل طبع الله عليها بكفرهم ولعنهم حين فعلوا ذلك . واختلف في معنى قوله : فبما نقضهم . . . الآية ، هل هو مواصل لما قبله من الكلام ، أو هو منفصل منه ؟ فقال بعضهم : هو منفصل مما قبله ، ومعناه : فبنقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم ولعنهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فلا